رسالة من بعيد: من الجمع الى أين؟

بقلم: د.عمرو م

أولا أبدأ أننى من الجيل السابق وقد كنت فى نفس موقفكم طوال ديكتاتورية نميرى، خرجت فى المظاهرات ورميت الأمن بالحجارة واعتقلت لفترة قصيرة وأحلت للمعاش ثلاثة مرات فى ذلك العهد. واجهت نفس الموقف فى أوائل عهد الانقاذ فصلت من عملى وطوردت من الأمن.

أقول هذا لكي لاتظنوا أننى من المتفرجين الذين ينظرون. وأرى أن دور جيلنا كما أوردته فى كتاب سينشر قريباي فى نفس هذا الموقع بعنوان كتاب الرؤية: من انتاج الفشل الى رؤية المستقبل : ان دوري مثل جيلى سينحصرفى محاولة فهم وتحليل وتبويب السياقات التاريخية التى أثرت للدفع بأحداث التغييرات الضخمة –وفى بعض الأراء المفاجئة- فى كافة دول المنطقة. هذا التحليل الذى قد يساعد فى الوصول الى ملامح لصياغة تعبيرات من نحو الرؤية الاستراتيجية ، خريطة الطريق، معينات العمل، كتالوج الخطوات المطلوبة ونحوها 

الثوار فى الشارع

برغم الفروق بين التحركات السياسية والاجتماعية فى عديد الدول العربية والتى انفجرت في ديسمبر 2010 في تونس ثم امتدت الى مصر،اليمن، ليبيا وسوريا، ثم الى درجة ما الى الأردن والبحرين وعمان ، فان الأسباب العامة وطريقة التحركات والتواصل بين المجاميع ودور القنوات الفضائية عابرة الدول (مثل الجزيرة، العربية، الحرة وسكاى نيوز..الخ) وغلبة الشباب وافتقادها الى مايسمى العامل الذاتى أى القيادة سواء الحزبية  أو المنظمة كانت متشابهة بشكل كبير. كما تشابه بشكل كبير وملفت للنظر ردود فعل الأنظمة الحاكمة سواء فى أوصافها للمحتجين والدول والقنوات الفضائية، خطابات الزعيم المتدرجة من التهديد فالتنازلات والتراجع ومن ثم الهروب أو التنحى أو القتال ونشر الموت والخراب فى البلاد

الذين تقاطروا الى الشوارع، الميادين والساحات هم الطبقة الوسطى وأبناء الفقراء الذين فتحت أمامهم فرص التعليم فى كافة المجالات فى مرحلة رأسمالية الدولة وتوفر وتوسع التعليم المجانى وأحيانا المدعوم، أدت لتوسع قاعدة هذه الشريحة وأتيح لها العمل فى المجال الحكومى المسيطر والصناعات الثقيلة والمتوسطة. وفى العقود الثلاثة الأخيرة ساهمت هجرة كثير من هذة الفئات الى الدول العربية النفطية الى مزيد من اتساعها، لكن فى نفس الوقت ساهمت التشوهات الهيكلية فى النمو الاقتصادى الى تهاوى كثير منهم الى درك الفقر والبطالة. فى السودان فقد بين التقرير السنوي الأول للتنمية البشرية في السودان 2011 نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بـ 46,5% يقل دخلهم عن 113,8جنيها،أى أقل من دولارين فى اليوم ) وتبلغ نسب البطالة حوالى 40% . وساهم خروج الدولة من توفير الرعاية الصحية والتعليم والمواصلات والتحكم فى الأسعار الى مزيد من البؤس. القوى التي خرجت الى الشوارع والميادين هي سليلة هذة الطبقة والتي جردت من كافة قواها الحية من الأحزاب ووسائل التعبير وحوصرت في رزقها وقمعت طموحاتها، فلم تجد سوى الانفجار وحمل احلامها فى حياة كريمة وتوزيع عادل وشفاف للثروة

الذين تقاطروا على الشوارع والميادين شباب في أغلبهم لم ينتموا لأحزاب بشكل متواصل وجيوشهم تتكون من الذين يعانون البطالة والمحبطين سياسيا واجتماعيا والذين أغلقت في وجوههم النوافذ الى المستقبل. ولأنهم أبناء المرحلة العالمية الحالية فقد حددوا أهدافهم بوضوح فى رحيل الأنظمة وتفكيكها بالكامل واجتثاث الفساد وتغيير الانظمة الى ما استقر فى القاموس اليومي فى الحوارات السياسية فى أرجاء الكون وحوتة الوثائق العالمية للمنظمات والجمعيات العالمية من قبيل الدستور الديمقراطى، حكم القانون، حرية التعبير والتنظيم والاعلام واستقلال القضاء..الخ

من لحس الكوع الى الكنداكة

الذين يقودون الشارع السوداني الان هو تحالف ضخم مكون من خمس كتل سكانية متنوعة: 1) الحركات الشبابية المنتظمة فى منظمات (قرفنا، شرارة، شباب من اجل التغيير والتغيير الان وغيرها)، هذه المنظمات تضم شباب منتظمون فى الأحزاب ومستقلون. 2) المجتمع المدنى ينتظم فى منظمات تعمل في كافة القطاعات المدنية كقوى منظمة وبعضها مسجل (مثل منتدى الشروق، الهيئة السودانية للدفاع عن الحريات، الصحفيين، الأطباء، المحامون، كجبار، المناصير وعشرات غيرها). 3) جبهة الشرق جزء من هذة القوى وقد حصدت الهشيم من اتفاقها مع النظام وعادت الى حالة اسوأ مما كانت. دخلت المرأة السودانية فى هذه الثورة كأحد أهم العناصر الفاعلة، من واقع تصديها لمتطلبات الحياة اليومية والمحافظة على الأسر وأيضا من واقع أنها الأكثر حضورا فى قاعات الدرس والوظائف العامة. 4) الجبهة الثورية وهي في قلب الحدث وقد ساهموا ويستمرون فى انهاك واضعاف النظام عسكريا وتتواجد كوادر أحزابها فى قلب حركة الثورة السودانية المشتعلة. 5) الأحزاب السودانية وقد اتفقت على وثيفة البديل الديمقراطي كمسودة خارطة طريق سوف تخضع لحوار واسع وتغتنى وتطور بعد الانتصار

من الشارع الى الجامع

لقد ارتبطت المظاهرات الكبرى بالجمعات وقد أعلن حزب الأمة انضمامة الى الثورة فى أول جمعة وكانت أكبر المواجهات فى جامع السيد عبد الرحمن بودنوباوى، وانتشرت الى أغلب المدن السودانية والحارات. ولم تتوقف التحركات المتناثرة فى أثناء الأسبوع، خاصة من الطلاب. ان المحرك الاساسي في هذه التحركات هي المنظمات الشبابية وتنوعاتها المختلفة وتنضم لها قطاعات مختلفة من المدن مع اشتداد المواجهات

مع بدء الربيع العربى أتجهت كل الشعوب اليها ولكن أنظار الشباب كانت مشدودة أكثر اليها، تتعلم منها وتستلهم عبرها. يلعب الشباب المتأثر بهذه الثورات دورين مختلفين فى دفع شعار اسقاط النظام الى الأجندة السياسية: الدور الاول الضغط الشديد الذى تواجهه الأحزاب جميعها من قطاعاتها الشبابية وبالتالى تبنيها لهذا الشعار، الدور الثاني: تجربة كفاية المصرية أحد اكثر التنظيمات الفاعلة فى ثورة يناير المصرية واستعمال وسائل التواصل الاجتماعي. على هذا النسق نشأت حركتا قرفنا وشباب من أجل التغيير –شرارة. لقد تراكمت خبرات طويلة ومتعددة فى العمل الثوري سواء فى تاريخ الشعب السوداني الذي أنجز ثورتين كبريين فى تاريخه المعاصر أو فى المحيط القريب منا

التكتيكات المعتمدة

سلمية الثورة وتحاشي الصدام مع الشرطة ما أمكن ومحاولة تحييد أجهزة الأمن أو انهاكها عن طريق الخروج الى:

 الشارع فى مجموعات كبيرة أو صغيرة يوميا

التجمع فى جوامع محددة للخروج بعد صلاة الجمعة لاجتذاب المجموعات السكانية المترددة والخائفة

 استغلال الميديا سواء قنوات التواصل الاجتماعى او القنوات الفضائية العربية والعالمية وخلق تضامن واسع ومحاصرة  التصرفات المنفاتة لأجهزة النظام

التضامن الواسع من الدياسبورا السودانية عن طريق مخاطبة المنظمات العالمية، سكان البلدان التي يقيمون فيها و التظاهر أمام السفارات لفضح ممارسات النظام ضد المدنيين العزل من العنف الجسدى، التعذيب، الاعتقال والتهديدات

أفلحت هذه التكتيكات على مدى الأربعة اسابيع الماضية على

كسر حاجز الخوف واخراج الجماهير فى أغلب المدن والأحياء الى الشارع

انهاك أجهزة الأمن وبيان عجزها أحيانا، خاصة في المدن خارج العاصمة، وتحييد بعضها وربما كسب بعضهم لصفوف الثوار

اكتساب شابات وشباب ينزل لأول مرة للمشاركة فى التحركات على خبرات واسعة ومتنوعة ومبدعة

اظهار فقر النظام الأخلاقى وافلاسة السياسى سواء عن طريق التوثيق للأحداث وفضحه (مثل تسميات لحس الكوع وشذاذ الافاق) أو تهافت ممثلى النظام وعجزهم عن الدفاع عن النظام وركون معظمهم للصمت

نظام المؤتمر الوطني

هذا أول تحدي جدي يواجهه النظام منذ الانقلاب، فعلى عكس كل التحركات السابقة فهو أعمى أمنيا عن نوعية المشاركين فيها، فهم ليسوا اعضاء أحزاب يستطيع أن يخمدها عن طريق اعتقال القيادة التي فى يديها كل الخيوط ، وهم غير قابلين للبيع والشراء والمناصب والأهم من هذا كله أنهم لايستمعون لوسائل اعلامه أو يفراؤن صحفه أو ينصتون لخطابات الرئيس الحماسية. باختصار هؤلاء جيل لم يكترث النظام أن يتعرف عليهم فى سنواته الطوال. جيل تربى على الفضائيات والانترنت والموبايل والانفتاح على العالم كان عصيا على نظام قائم على فكر جامد، منغلق ومسطح..

لمواجهة هذا عاد النظام الى ما يعرفة من تراث الحكامات ” فرتاق حافلن وملاى سروجن دم”، وأعتقد أن العنف المفرط والشتائم السوقية سوف تخيفهم وترعبهم وترجعهم الى مهاجعهم، المدهش أن الذي تحدى هذا كانت النساء والشابات واللواتى أبدين صلابة وجسارة وقوة أفقدته التوازن وجعلتة ولأول مرة فى تاريخ السودانيين يلجأ للاعتقال المكثف للنساء، الضرب، التعذيب والاغتصاب

مشكلة النظام أنه يعرف ونحن ندري أن الشرطة وأجزاء من الأمن يمكن أن ترفض تنفيذ الأوامر وتتمرد أو تتفرج، لذلك يخرج مجموعات كبيرة معا لكي تراقب بعضها البعض. ان الأجهزة الأمنية كغيرها تكتوى بنار النظام وعندما يعجز عن رشوتها بالحوافز فى ظل أزمة اقتصادية خانقة ربما تفترسه

الأسئلة المطروحة

لقد انتقل السودان من أزمة ثورية الى اللحظة الثورية بتوفر الشرط الموضوعى: شعب ثائر على السلطة الحاكمة ، والانهيار السياسي والأخلاقي والشرعي للنظام الحاكم وتشتته وارتباكه، وجزئيا الظرف الذاتي من اتفاق كافة الأطراف على اسقاط النظام وبناء بديل ديمقراطى مدني لتحقيق الحرية والعدالة والسلام. كيف الوصول للاضراب السياسي العام؟؟

من الجامع الى الشارع

لقد أنجز هذا التكتيك والتحرك من الجوامع كافة أهدافة فى كسر حاجز الخوف، كيفية المواجهة مع أجهزة النظام، ارهاقه واكتساب الخبرة النظرية العملية فى تنظيم التحركات. حان الأن وقت الخروج من الجامع الى الشارع

تكتيكات مرحلية انقلها من مقترحات من مناضل مراقب للمظاهرات على الفيسبوك

تغيير اسلوب العمل بمعني عدم الاعلان عن الأماكن الحقيقية للمظاهرات , و لتعميم النشر بين الثوار يتبع أسلوب الخلايا العنقودية

الاستفادة من خوف النظام الذي ظهر بشكل جلي اليوم و ذلك بتكثيف العمل الليلي في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية (امبدات – الثورات – الكلاكلات – الحاج يوسف….الخ ) والمدن الكبرى.

ابتداع أساليب تجعل دخول الأحياء صعب جدا اذا لم يكن مستحيلا

التركيز على العمل الليلي خصوصا هذه الأيام ومواصلة المقاومة يوميا دون انقطاع….و غيرها

تكتيك لانتصار الثورة

فى كل الثورات السودانية والعربية اللاحقة لم تشعلها أو تقدها الأحزاب والمؤسسات السياسية، دور الأحزاب هو سابق فى التمهيد ولاحقا فى تنظيم التعبير عن الحياة السياسية الديمقراطية. الإضراب الجماهيري السياسي الناجح يقوم بها تحالف وطني من القوى الاجتماعية المعادية لهيمنة حزب المؤتمر الوطني وسبق أن أشرنا اليها

لقد علقت على استعادة نقابة أطباء السودان أنها من أهم الخطوات فى انتصار الثورة، فهذة الخطوة هي البداية لاستعادة النقابات المهنية والعمالية والمزارعين وبالتنسيق الكامل مع المنظمات الشبابية ومن ثم تكوين جسم قائد يستطيع أن يضع خطة اسقاط النظام عن طريق المظاهرات الكبرى والاضراب السياسي العام

أقدر كثيرا خوف الشباب من تكرار تجاربنا الفاشلة فى أن يحققوا الانتصار وتسرق ثورتهم، لكن التجربة المصرية والتونسية تعلمنا ان الميادين والجوامع ستظل مفتوحة من أجل الضغط المستمر لانجاز برنامج الثورة

___

This article was originally posted here.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s